عندما يُدرّس التلميذ أستاذه
والله، لم أصدق ما قرأته في الأخبار صباح اليوم. وليد الركراكي، مدربنا الوطني، يقف أمام جمهور من المدربين الإسبان في ندوة رسمية، ليشرح لهم كيف هزم منتخبهم في مونديال قطر. نعم، تقرؤون بشكل صحيح: المدرب المغربي يُعلّم الإسبان كيف خرجوا من كأس العالم على يد أسود الأطلس.
هذا المشهد، بصراحة، يستحق أن نتوقف عنده طويلاً. ليس فقط لأنه يحمل رمزية عميقة، بل لأنه يؤكد شيئاً كنا نحلم به منذ عقود: أن المغرب لم يعد مجرد تلميذ يتعلم من الآخرين، بل أصبح أستاذاً يُدرّس دروساً في كرة القدم الحديثة.
من الهزيمة إلى التدريس
أتذكر جيداً تلك الليلة في الدوحة، 6 ديسمبر 2022، عندما وقفت إسبانيا أمام المغرب في ثمن نهائي كأس العالم. كان الجميع يتوقع فوزاً إسبانياً سهلاً، فهذا المنتخب الذي يلعب "التيكي تاكا" منذ سنوات، والذي فاز بكأس العالم 2010 والأورو مرتين، كيف يمكن أن يخسر أمام منتخب أفريقي؟
لكن ما حدث في تلك الليلة كان أكبر من مجرد فوز كروي. كان درساً في التكتيك، درساً في الإرادة، درساً في كيفية تحويل الضعف إلى قوة. والرجل الذي صمم هذا الدرس، وليد الركراكي، يقف اليوم أمام الإسبان ليشرح لهم كيف فعل ذلك.
ياسين بونو.. البطل الذي أسكت الشك
عندما يتحدث الركراكي عن تلك المباراة، لا بد أن يذكر ياسين بونو، الرجل الذي حول ضربات الترجيح إلى عرض فردي مذهل. ثلاث ضربات ترجيحية أوقفها بونو، ثلاث أحلام إسبانية تحطمت على قفازيه. وأنا متأكد أن الحضور الإسباني في تلك الندوة كانوا يتذكرون تلك اللحظات بألم ممزوج بالإعجاب.
لكن الأمر لم يكن مجرد حظ أو صدفة، كما حاول البعض أن يصوره وقتها. كان نتيجة إعداد دقيق، ودراسة عميقة لنقاط ضعف المنتخب الإسباني. والركراكي، في تلك الندوة، كشف للعالم أن ما حدث كان مخططاً له بعناية.
استراتيجية ضد الاستحواذ
ما أعجبني أكثر في هذا الخبر هو أن الركراكي شرح للإسبان كيف واجه "أسلوب الاستحواذ والاحتكار" الذي اشتهروا به. هذا يعني أن مدربنا لم يكتف بالفوز، بل فهم جيداً كيف فاز، وأصبح قادراً على تعليم الآخرين.
إسبانيا، التي اعتادت على السيطرة على الكرة لأكثر من 70% من وقت المباراة، وجدت نفسها عاجزة أمام تكتيك مغربي ذكي. لم نحاول أن نلعب لعبتهم، بل أجبرناهم على اللعب وفق قواعدنا. وهذا، في رأيي، هو جوهر العبقرية التكتيكية.
الدعوة التي تحمل رسالة
والحقيقة أن دعوة الجامعة الإسبانية للركراكي لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية. كانت اعترافاً صريحاً بأن هذا الرجل قدم شيئاً استثنائياً في عالم كرة القدم. عندما تدعو إسبانيا، بلد التيكي تاكا وغوارديولا وإنييستا، مدرباً مغربياً ليشرح لمدربيها كيف يلعبون كرة القدم، فهذا يعني أننا وصلنا إلى مكان لم نكن نحلم به من قبل.
من قطر إلى مدريد
المسافة من الدوحة إلى مدريد ليست مجرد كيلومترات، إنها رحلة من الحلم إلى الواقع، من الأمل إلى الإنجاز. في قطر، حققنا المعجزة. في مدريد، نشرح للعالم كيف تُصنع المعجزات.
وأنا أتخيل الركراكي وهو يقف أمام ذلك الجمهور الإسباني، يتحدث بثقة عن التكتيك الذي أطاح بأحلامهم في كأس العالم. لا بد أنه شعر بفخر عظيم، ليس فقط كمدرب، بل كمغربي استطاع أن يضع بلده على خريطة كرة القدم العالمية.
الدرس الأكبر
لكن الدرس الأكبر من هذه القصة ليس تكتيكياً، بل إنسانياً. يعلمنا أن الاحترام في كرة القدم لا يُشترى بالمال أو التاريخ، بل يُكتسب بالإنجاز والإبداع. إسبانيا، رغم الهزيمة المؤلمة، دعت الركراكي ليشاركهم خبرته. هذا هو الاحترام الحقيقي، احترام الخصم الذي تفوق عليك.
نحو المستقبل
واليوم، بينما نستعد لكأس أمم أفريقيا 2025 على أرضنا، أشعر بثقة أكبر في قدرات هذا المنتخب. ليس فقط لأننا نملك لاعبين موهوبين، بل لأننا نملك مدرباً أصبح العالم يتعلم منه.
الركراكي الذي وقف في مدريد ليشرح للإسبان كيف هزمهم، هو نفسه الذي سيقود أسود الأطلس في البطولة الأفريقية. وإذا كان قادراً على تعليم إسبانيا دروساً في كرة القدم، فأنا متأكد أنه قادر على قيادتنا إلى اللقب الأفريقي الذي ننتظره منذ عقود.
خلاصة القول
في النهاية، هذا الخبر يحمل رسالة واضحة: المغرب لم يعد يقلد الآخرين، بل أصبح مثالاً يُحتذى به. من الدوحة إلى مدريد، من الملعب إلى قاعة المحاضرات، نحن نكتب تاريخاً جديداً لكرة القدم المغربية.
والأجمل في كل هذا أن القصة لم تنته بعد. ما حدث في قطر كان مجرد البداية، وما يحدث اليوم في إسبانيا هو تأكيد على أننا في الطريق الصحيح. الطريق نحو مستقبل أكثر إشراقاً لكرة القدم المغربية.
كتبت هذه السطور وأنا أتذكر فرحة تلك الليلة في قطر، وأتطلع بشوق إلى ما ينتظرنا في كأس أفريقيا على أرضنا