الحقيقة الغائبة في صفقة بوعدي: أورنستين أم رومانو من يُخطئ؟
بين إصرار ليل على مئة مليون يورو وعرض مانشستر سيتي المحدود بتسعين، تتأرجح واحدة من أكبر صفقات صيف 2026 على وقع روايتين متناقضتين
منذ نهاية يونيو، لا يكف مكتب هوغو فيانا في مانشستر سيتي عن الاتصال بأوليفييه ليتانغ، رئيس نادي ليل. الاتفاق الشخصي مع أيوب بوعدي، لاعب الوسط المغربي البالغ 18 عاماً، معقود منذ أسابيع على عقد يمتد حتى يونيو 2031. لكن الرقم الذي يفصل الناديين عن الإعلان الرسمي لا يزال معلقاً في الهواء: مئة مليون يورو يطلبها ليتانغ، وتسعون يعرضها السيتي مقابل إضافات مرتبطة بالأداء. وبين هذا وذاك، يروي فابريزيو رومانو أن الملف شبه مغلق، بينما يصر ديفيد أورنستين على أن المطالب المالية لم تُحسم بعد. فمن يقرأ الصفقة كما هي فعلاً، ومن يستبق توقيعها؟
غرفة لا تعرف السرعة
الحكاية بدأت أبكر مما يظن كثيرون. اجتماع فيران سوريانو، الرئيس التنفيذي للسيتي، مع ليتانغ في نهاية يونيو كان أول إشارة جدية على أن الأمر تجاوز مرحلة الاهتمام إلى مرحلة التفاوض الفعلي. منذ ذلك الحين، تبادل الطرفان مكالمات هاتفية منتظمة أكثر من اللقاءات الرسمية، في مؤشر على أن التفاصيل الدقيقة، لا المبدأ، هي ما يُبطئ الصفقة اليوم.
رحيل رودري إلى برشلونة، في صفقة بلغت 76.5 مليون يورو، هو ما فتح الباب فعلياً أمام بوعدي. سيتي، الذي أنفق بالفعل 135 مليون يورو على إليوت أندرسون قادماً من نوتنغهام فورست، وجد في رحيل قائده السابق للوسط مبرراً مالياً ورياضياً لاستكمال المشروع بلاعب أصغر سناً وأرخص كلفة نسبياً، لكنه لا يقل طموحاً في نظر الإدارة الرياضية.
| البند | مطلب نادي ليل | عرض مانشستر سيتي |
|---|---|---|
| القيمة المالية | نحو 100 مليون يورو (87.5 مليون جنيه إسترليني) | نحو 90 مليون يورو + مكافآت أداء |
| مدة العقد مع اللاعب | — | حتى يونيو 2031 (5 سنوات)، اتفاق شخصي معقود |
| الطرف المفاوض | أوليفييه ليتانغ (الرئيس) | هوغو فيانا (المدير الرياضي) |
بين من يستبق الخبر ومن ينتظر توقيعه
هنا بالضبط تنكشف مفارقة صحافة الانتقالات في زمن السرعة القصوى. رومانو، الذي بنى اسمه على نشر الخبر قبل الجميع، يميل إلى قراءة اتجاه الصفقة أكثر من انتظار حبرها يجف على الورق. أورنستين، المعروف بحذره الممنهج، لا يكتب كلمة "اتفاق" إلا حين يراها موثقة بين الطرفين. الاثنان لا يكذبان؛ كل واحد منهما يصف مرحلة مختلفة من الطريق نفسه: الأول يرى الوجهة، والثاني يعدّ الخطوات المتبقية إليها. والفارق بينهما، في صفقة بوعدي تحديداً، هو عشرة ملايين يورو لم تُحسم بعد.
من قميص فرنسا الشابة إلى شعار الأسود
قبل أن يصبح بوعدي رقماً في سوق الانتقالات، كان اسماً في معركة هوية. اللاعب المولود في مدينة كريل الفرنسية، والذي قاد منتخب فرنسا تحت 21 سنة في مارس الماضي، اختار في مايو أن يحسم مستقبله الدولي لصالح قميص أسود الأطلس نهائياً. القرار لم يكن تفصيلاً عابراً؛ هو من نوع الاختيارات التي تُقاس بها وطنية لاعب نشأ في أكاديميات أوروبية، وتفتح أمامه أبواب منتخبين، لكنه يختار في النهاية الجذر لا الجواز.
وحين خاض كأس العالم مع المغرب، لم يكن مجرد اسم إضافي في التشكيلة. برز بوعدي كأحد أكثر لاعبي البطولة إثارة للإعجاب في خط الوسط، ومنح الأسود عمقاً عمرياً استثنائياً في مسيرة انتهت بربع نهائي أمام فرنسا نفسها، المنتخب الذي كاد بوعدي أن يمثله قبل أشهر قليلة فقط.
قبل أن يستقر الاختيار على مانشستر سيتي، مرّ اسم بوعدي على طاولات أندية أكبر بكثير من مجرد المتابعة العابرة. آرسنال، ريال مدريد، بايرن ميونيخ وباريس سان جيرمان جميعها تابعت الملف عن قرب، وحتى ليفربول أجرى اتصالات استكشافية بحسب تقارير متعددة. لكن آرسنال، الذي كان الأقرب لفترة طويلة، حوّل بوصلته نحو صفقة أخرى، فترك المجال مفتوحاً أمام سيتي ليتقدم بخطى واثقة منذ منتصف يوليو. سباق بهذا الحجم على لاعب في الثامنة عشرة من عمره يقول شيئاً واحداً بوضوح: كأس العالم الأخيرة لم تكن مجرد محطة عابرة في مسيرة بوعدي، بل كانت الإعلان الرسمي عن ميلاد نجم بمواصفات أوروبية كاملة.
سيتي بعد غوارديولا: جيل جديد يبحث عن هوية
الصفقة لا تُقرأ فقط من زاوية بوعدي؛ هي أيضاً مرآة لمانشستر سيتي في مرحلته الانتقالية. إنزو ماريسكا، الذي خلف بيب غوارديولا هذا الصيف بعد رحيله في مايو، يبني فريقاً مختلفاً عن إرث سلفه: أصغر سناً، أكثر جوعاً، وأقل اعتماداً على الأسماء التي صنعت العقد الماضي. رحيل رودري، قائد خط الوسط لسنوات طويلة، ومجيء أندرسون وربما بوعدي، يشيان بأن السيتي يعيد بناء قلبه من الصفر، لا بمنطق الترميم، بل بمنطق الجيل الجديد الذي يزحف على عروش الكبار كلما انتهت دورة مدرب وبدأت أخرى.
ولمن يتابع كرة القدم المغربية بعين وطنية لا محايدة، فإن اسم بوعدي يضاف إلى قائمة تطول: حكيمي في باريس سان جيرمان، براهيم دياز في ريال مدريد، بونو حارساً لمرمى كبير، وأوناحي الباحث عن محطته التالية بعد هبوط جيرونا. جيل كامل من المغاربة يتوزع اليوم على أرقى الأندية الأوروبية، وكل صفقة جديدة بهذا الحجم ليست مجرد خبر رياضي عابر، بل مؤشر على أن كرة القدم المغربية تصدّر مواهبها بمعدل لم تعرفه من قبل.
ماذا بعد؟
التقارير الأحدث، الصادرة قبل ساعات فقط، تتحدث عن اقتراب موعد الفحص الطبي، وكأن الخلاف على الأرقام يوشك أن يُحل. لكن لا ليل ولا سيتي أصدرا بياناً رسمياً حتى كتابة هذه السطور. وبين رواية تستبق الحدث وأخرى تنتظر توقيعه، يبقى اليقين الوحيد أن أيوب بوعدي، الفتى الذي اختار المغرب حين كان بإمكانه اختيار فرنسا، أصبح الاسم الذي تتقاطع عنده أكبر الصفقات الأوروبية هذا الصيف.
الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عمن كان يقرأ الصفقة بدقة أكثر: من استبق الخبر، أم من انتظر توقيعه.