اثنا عشر انتصاراً متتالياً، هكذا يُباهي وليد الركراكي بإنجازه مع أسود الأطلس، وكأن كرة القدم مجرد لعبة حسابية بسيطة، تُقاس بالأرقام وحدها، دون النظر إلى جوهر اللعبة وعمق التحديات التي تنتظرنا. ولكن، هل يكفي أن نُعدّ الانتصارات كما نعدّ حبات المسبحة، لنقول إننا أمام مدرب عبقري، أم أن الأمر يحتاج إلى نظرة أعمق وأكثر نقداً لما يحدث حقاً في أروقة المنتخب الوطني؟
إن الذي يتابع تصريحات الركراكي الأخيرة، وخاصة قوله "أنا أفضل مدرب في تاريخ المغرب"، يدرك أننا أمام شخصية تعاني من تضخم في الأنا، لا يليق بمن يحمل على عاتقه مسؤولية تمثيل المغرب في المحافل الدولية. فالتواضع، يا سيد الركراكي، فضيلة لا تنقص من قدر الإنجاز، بل تزيده بهاءً ووقاراً. أما الغرور، فهو أول طريق الهاوية، وتاريخ كرة القدم مليء بقصص مدربين سقطوا من عليائهم بسبب غرورهم وثقتهم المفرطة في أنفسهم.
لنكن صادقين مع أنفسنا، ولنسأل السؤال الذي يتجنبه الجميع: ضد من حقق الركراكي هذه الانتصارات الاثني عشر؟ هل كانت ضد منتخبات من عيار البرازيل وفرنسا وألمانيا؟ أم أنها كانت في معظمها ضد منتخبات أفريقية متواضعة، وفي مباريات ودية لا تحمل ضغط المنافسة الحقيقية؟ الحقيقة أن معظم هذه الانتصارات جاءت ضد منتخبات مثل بنين وتونس وجزر القمر، وهي منتخبات محترمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الاختبار الحقيقي لقوة المنتخب المغربي وجاهزيته للمنافسة على أعلى المستويات.
والأخطر من ذلك، أن هذه الانتصارات المتتالية قد تخلق وهماً خطيراً لدى الجماهير المغربية، التي تستحق أكثر من مجرد انتصارات شكلية ضد منتخبات ضعيفة. فالجمهور المغربي، الذي ذاق طعم الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم في قطر، لن يرضى بأقل من التميز الحقيقي والمنافسة الجدية على الألقاب الكبرى. وهنا يكمن التحدي الحقيقي للركراكي: هل سيستطيع أن يحافظ على هذا المستوى عندما يواجه منتخبات قوية في مناسبات مهمة؟
إن المشكلة الأساسية في خطاب الركراكي أنه يتعامل مع النجاح وكأنه ملكية شخصية، متناسياً أن نجاح المنتخب هو نتاج جهود جماعية، تبدأ من اللاعبين وتمر بالجهاز الفني والإداري، وتنتهي بدعم الجماهير والمؤسسات الرياضية. فعندما يقول "أنا أفضل مدرب في تاريخ المغرب"، فإنه يُقلل من شأن مدربين عظام سبقوه، مثل هنري ميشيل وبادو زاكي، الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ الكرة المغربية.
ولكن الأهم من ذلك كله، أن الركراكي يبدو وكأنه يعيش في فقاعة معزولة عن الواقع، فهو يتحدث عن الانتصارات وكأنها غاية في حد ذاتها، متناسياً أن الهدف الحقيقي هو الفوز بالألقاب الكبرى، وتحديداً كأس أمم أفريقيا التي سنستضيفها في ديسمبر المقبل. فهل يدرك الركراكي أن الضغط سيكون مضاعفاً عندما نلعب أمام جماهيرنا، وأن الانتصارات الودية لن تشفع له إذا فشل في تحقيق اللقب الأفريقي؟
إن ما يحدث اليوم مع الركراكي يُذكرنا بما حدث مع مدربين آخرين في تاريخ الكرة المغربية، الذين بدأوا بنتائج جيدة، ثم سقطوا في أول اختبار حقيقي. والخطر أن الركراكي، بغروره وثقته المفرطة، قد يقود المنتخب إلى كارثة حقيقية في كأس أمم أفريقيا، خاصة وأننا سنلعب في مجموعة تضم منتخبات قوية مثل مالي وزامبيا، التي لن تكون نزهة سهلة كما يتصور البعض.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين هي الرؤية الاستراتيجية للركراكي؟ وما هي خطته لتطوير المنتخب على المدى الطويل؟ فالانتصارات المتتالية، مهما كان عددها، لا تعني شيئاً إذا لم تكن مبنية على أسس تكتيكية وفنية صلبة، وإذا لم تكن جزءاً من مشروع رياضي متكامل يهدف إلى الوصول بالمنتخب المغربي إلى مصاف المنتخبات العالمية الكبرى.
إن الوقت قد حان لنكون أكثر نقداً وأقل انبهاراً بالأرقام الخادعة. فالمغرب يستحق أكثر من مدرب يتباهى بانتصارات ضد منتخبات ضعيفة، ويعتبر نفسه أفضل مدرب في التاريخ. المغرب يستحق مدرباً متواضعاً، يعمل في صمت، ويترك النتائج تتحدث عنه، مدرباً يدرك أن الطريق إلى القمة طويل وشاق، وأن الانتصارات الحقيقية تُقاس بالألقاب، وليس بعدد المباريات المكسوبة ضد منتخبات متواضعة.
وفي النهاية، نقول للركراكي: إن الشعب المغربي يدعمك، ولكنه لن يقبل بأقل من التميز الحقيقي. فإما أن تثبت جدارتك في كأس أمم أفريقيا، وإما أن تترك المكان لمن هو أجدر منك. فالمنتخب المغربي أكبر من أي شخص، مهما كانت انتصاراته أو ادعاءاته.